محمد المثلوثي | ملاحظات حول الاستعمار

إن النظام الرأسمالي نظام بربري بامتياز. فإذا كانت الحرب لدى القبائل المسماة « بربرية » تمثل حدثا طارئا واستثنائيا، تتوقف في اللحظة التي تحقق فيها أهدافها المباشرة، فان الحرب في ظل الرأسمالية أصبحت مطلوبة لذاتها، وآلية من آليات اشتغال هذا النظام. وإذا كان السلم هو القاعدة العامة لدى القبائل « البربرية » وما الحرب إلا تعبير عن ضرورة طارئة (تغيرات مناخية، تقلص المراعي، تدهور الزراعة…الخ)، فان الحرب في ظل المدنية الرأسمالية تمثل القاعدة العامة، بينما فترات السلم القصيرة لا تمثل سوى التحضير والتجييش للحرب القادمة.

وإضافة لكون الحملات الاستعمارية بكل الأشكال التي اتخذتها مثلت الأساس التاريخي لتطور الرأسمالية، فان الحرب قد أصبحت شيئا فشيئا الملاذ الوحيد في مواجهة الأزمات وتجسيد للمنافسة البورجوازية لتقسيم وإعادة تقسيم مواقع النفوذ في السوق العالمية. وكل توازن مؤقت تصنعه الحرب السابقة، سريعا ما يختل بمفعول الأزمات، ليفتح باب الجحيم على الحرب اللاحقة.

فالميزة التاريخية للرأسمالية المتمثلة في كون الرأسمال ينمو أكثر من إمكانيات تحققه، تجد في الحرب الحل الأمثل لتجاوز هذا التناقض المستعصي. إذ بتدمير جزء من قوى الإنتاج، وهو ما يعني عمليا تدمير متعاظم لشروط حياة الشغيلة ودفعهم هم أنفسهم إلى المحرقة، ينفتح أمام الرأسمال مجال جديد للتراكم والاستثمار. وهكذا فدورة رأس المال الجهنمية: ازدهار، انكماش، كساد فأزمة، فحرب، فإعادة إعمار..الخ، تدور في حلقة مفرغة، لكنها حلقة تتسع في كل مرة أكثر فأكثر. وكل دورة تضع شروطا قاسية للدخول في الدورة اللاحقة، بحيث تكون عملية الخروج من النفق أكثر توحشا ودموية. وفي كل مرحلة من مراحل هذا التطور الرأسمالي تجد البشرية نفسها في مواجهة حروب أكثر تدميرا وأكثر بربرية، بأسلحة تزداد « تطورا » وقدرة على حصد عدد أكبر من الضحايا.

لكن مواجهة هذه الحرب الرأسمالية الدائمة، كما أثبتته التجربة التاريخية، لا يمكن أن يكون بالدعوات « الإنسانية » للسلام « العادل » و »الدائم »، ولا بنشر « قيم التسامح » و »التآخي بين الشعوب »، بل بالنضال ضد المتسبب الحقيقي في هذه الحرب، أي بالنضال ضد النظام الرأسمالي ومنطقه الحربي ونزعته العسكرية الدائمة.

والحرب الرأسمالية غير ممكنة بدون قدرة هذا الشق أو ذاك من البورجوازية العالمية على تحشيد جمهور البروليتاريا وراءه. فبينما يخوض هذا الجزء من البورجوازية حربه باسم « نشر الحضارة والمدنية »، يواجهه جزء آخر باسم « الدفاع عن الوطن ». وبينما يرفع هذا الجزء من البورجوازية في حربه يافطة « مقاومة الشيوعية » المزعومة، يواجهه الجزء الآخر باسم « الدفاع عن الوطن الاشتراكي » المزعوم أيضا. وفي حين يمثل شعار « مقاومة الفاشية » عنصر تحشيد لهذا الشق البورجوازي في « العالم الحر »، يكون شعار « الحرب المقدسة للدفاع عن الجنس الآري » عنصرا مضادا للشق المسمى فاشي. وبينما تخوض بورجوازية « العالم الديمقراطي » حربها باسم « مقاومة الإرهاب ونشر الديمقراطية »، تواجهه البورجوازية في الجانب الآخر باسم « الدفاع عن الوطن » أو « النضال ضد الامبريالية » أو « الدفاع عن الإسلام أو العروبة ضد الهجمة الصهيونية »…الخ. وهكذا يجد كل شق بورجوازي مبررا إيديولوجيا لإشعال الحرب، ويافطة مضللة لجر العمال وراءه. لتجد البروليتاريا نفسها في المحصلة وقودا لحرب المنافسة الرأسمالية. وليواجه هذا القسم من العمال قسما آخر من إخوانه، ولتقف البروليتاريا في خنادق متقابلة يبيد بعضها البعض. ومن أجل ماذا؟ من أجل تحقيق الرغبات الدموية للرأسمال في مراكمة الربح وحل أزماته.

ولعل شعارات من نوع « حق الشعوب في تقرير مصيرها » (أي حق البورجوازية الوطنية في تقرير المصير المشؤوم للعمال) و »الحرب العادلة » في مواجهة « الحرب الظالمة » (وكأن « الحرب العادلة » هي شيء آخر غير « الحرب الظالمة البورجوازية)، و »مقاومة الاستعمار » (وكأن الاستعمار هو شيء آخر غير الرأسمالية نفسها)، وغير ذلك من الشعارات القومية والشوفينية قد ساهمت مساهمة عظيمة في حشد أقسام كبيرة من العمال وعموم الفقراء في إشعال الحروب الرأسمالية ودفعهم للمحرقة والمجازر.

« عدوك موجود في أرضك »، هذه هي صرخة الأممية الاشتراكية في مواجهة الحرب البورجوازية.

فالاستعمار والنزعة العسكرية وهيمنة أقطاب رأس المال العالمية، والتخلف كما التطور، والتبعية والإلحاق…الخ لا يمكن فصلها عن النظام الرأسمالي نفسه. لذلك فالنضال الأممي ضدها لا ينفصل عن النضال ضد أسلوب الإنتاج الرأسمالي. فإذا لم تتوحد بروليتاريا « البلد المستعمر » مع بروليتاريا « البلد المستعمٓر »، وبروليتاريا « القطب الظالم » مع بروليتاريا « القطب المظلوم »، وبروليتاريا « الدول المتطورة » مع بروليتاريا « الدول المتخلفة »، إذا لم تتوحد كل أقسام البروليتاريا في حركة أممية موحدة البرنامج والأهداف، فان مواجهة الاستعمار والحروب البورجوازية ستكون مهمة مستحيلة تماما.

لكل ذلك فان نقيض الاستعمار ليس « الاستقلال الوطني »، أو « حق الشعوب في تقرير مصيرها » (وكلمة الشعوب تعبر أصدق تعبير عن الطابع البورجوازي لهذا الشعار). ونقيض الهيمنة الاقتصادية وإلحاق الأسواق الوطنية بالسوق العالمية للرأسمال ليس « فك الارتباط »، أو « بناء الاقتصاد الوطني المستقل ». ونقيض الحرب البورجوازية ليس « السلام العادل والدائم » أو « التآخي بين الشعوب ». ونقيض « التخلف الصناعي » ليس « التطور الرأسمالي الوطني ». فالنقيض الثوري والجذري للاستعمار والهيمنة والحرب والتخلف…الخ إنما هي الحركة الاشتراكية الأممية لكل العمال من أجل الاستعاضة عن نمط الإنتاج الرأسمالي العالمي بنمط إنتاج عالمي جديد. وكما يقول الرفيق أنور نجم الدين: « أليست حركات الشغيلة في مصر وسوريا كافية لانهاء كل الاوهام الوطنية بصدد نزاع الأمة العربية مع اسرائيل؟ ألا تبين الشغيلة في هذه البلدان بأن النزاع الموجود هو نزاع بين حكام وشغيلة هذه البلدان على شكل الحياة لا الوطن المهدد من قبل اسرائيل؟ » وكما يضيف نفس الرفيق:

« فما الوطن –ارضه ورأسماله- ان لم يكن أرض التشريك الجماعي لثرواته؟ فانقاذ الوطن إذًا يعني تحريره من أسياده لا من الاستعمار أو اسرائيل، وثم جعل ثرواته الملكية المشتركة لمواطنيه، يعني لمستوطنه بدل طفيليه »

وهكذا فالتناقض والصراع الذي يشق العالم الرأسمالي ليس التناقض بين الشعوب والأمم، بين الشرق والغرب، بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، بل هو تناقض بين طبقتين عالميتين: طبقة البورجوازية العالمية ونظامها الرأسمالي البربري وطبقة البروليتاريا ومشروعها الاشتراكي الأممي.

إن وجهة نظرنا هذه تضعنا بالضرورة في تعارض مطلق مع الفرق والمجموعات اليسارية الماركسية. حيث، وفي مواجهة الثنائيات التي تطرحها هذه المجموعات: حرب/سلم، استعمار/استقلال، تطور/تخلف، تبعية/فك الارتباط…الخ، فان التناقض الوحيد، من زاوية البروليتاريا العالمية، هو التناقض: رأسمالية/اشتراكية. فإما مواصلة الكارثة الرأسمالية وكل ملاحقها الطبيعية من استعمار وتبعية وتخلف وهيمنة..الخ، وإما ثورة على هذا الأسلوب في الإنتاج والتحرر من جحيم عبودية الأجر. وهذه ليست مهمة خاصة بقسم من البروليتاريا دون آخر. بل هي مهمة تجمع كل العمال أينما وجدو، وتضعهم في نفس الخندق وفي نفس المعركة.

محمد المثلوثي

This entry was posted in ضد الإستعمار and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

5 Responses to محمد المثلوثي | ملاحظات حول الاستعمار

  1. ZogShed says:

    After I originally commented I clicked the -Notify me when new feedback are added- checkbox and now every time a comment is added I get 4 emails with the identical comment. Is there any method you can take away me from that service? Thanks!

  2. Whityshiree says:

    Умное массажное кресло? Это не фантастика! US MEDICA Infinity не просто

    обеспечит вам идеальный отдых, но и быстро восстановит тонус тела,

    предупредит возникновение заболеваний опорно-двигательного аппарата,

    успокоит и настроит на позитив. Являясь совершенным инструментом

    автоматизированного массажа, Infinity преподнесет вам массу приятных

    сюрпризов!

  3. Sipsshoorse says:

    Тренажер для растяжки позвоночника BESTEC AIR NOBIUS («Эйр Нобиус»). Комфорт,
    свобода движений, никакой боли, никакого напряжения. Снятие дискомфорта и напряжения в
    области спины. Восстановление анатомически правильной формы позвоночника. Мы гарантируем. Ваша спина
    Вам скажет Спасибо!
    Задайте свой вопрос. сделайте заказ 8 915-266-99-03

  4. Lutherweni says:

    Для того что бы начать играть и зарабатывать, вам нужно зарегистрироваться в игре и купить животных для своей фермы.
    На выбор 5 животных: курица, свинья, коза, овца и корова. На вашей ферме может быть любое количество животных.
    Каждое животное дает определенную продукцию, которую можно продать на рынке и получить за неё золотые монеты.
    Золотые монеты можно вывести на ваш реальный счет PAYEER…

    Преимущества нашей игры:

    – Пополнение и выплаты на все популярные платежные системы;
    – Автоматическое накопление и выкуп продукции системой;
    – Никаких ограничений на срок жизни ваших животных, купленные животные остаются у вас навсегда;
    – Прозрачность статистики резерва, гарантирует вам постоянные выплаты;
    – Доброжелательная техническая поддержка 16 часов в день, 7 дней в неделю.

    Регистрация: http://fermandia.biz/?i=356

  5. Banoyolo says:

    Cool! That’s a clever way of loiokng at it!

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *